ابن كثير
100
البداية والنهاية
الخطاب فيحكم في بما يشاء . فأجابوه إلى ذلك فألقى قوسه ونشابه وأسروه فشدوه وثاقا وأرصدوه ليبعثوه إلى أمير المؤمنين عمر ، ثم تسلموا ما في البلد من الأموال والحواصل فاقتسموا أربعة أخماسه فنال كل فارس ثلاثة آلاف وكل راجل ألف درهم . فتح السويس ثم ركب أبو سبرة في طائفة من الجيش ومعه أبو موسى الأشعري والنعمان بن مقرن ، واستصحبوا معهم الهرمزان ، وساروا في طلب المنهزمين من الفرس حتى نزلوا على السوس ، فأحاطوا بها . وكتب أبو سبرة إلى عمر فجاء الكتاب بأن يرجع أبو موسى إلى البصرة ، وأمر عمر زر ابن عبد الله بن كليب العقيمي ( 1 ) - وهو صحابي - أن يسير إلى جندسابور ، فسار . ثم بعث أبو سبرد بالخمس وبالهرمزان مع وفد فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس ، فلما اقتربوا من المدينة هيؤا الهرمزان بلبسه الذي كان يلبسه من الديباج والذهب المكلل بالياقوت واللآلئ . ثم دخلوا المدينة وهو كذلك فتيمموا به منزل أمير المؤمنين ، فسألوا عنه فقالوا : إنه ذهب إلى المسجد بسبب وفد من الكوفة . فجاؤوا المسجد فلم يروا أحدا فرجعوا ، فإذا غلمان يلعبون فسألوهم عنه فقالوا : إنه نائم في المسجد متوسدا برنسا له . فرجعوا إلى المسجد فإذا هو متوسد برنسا له كان قد لبسه للوفد ، فلما انصرفوا عنه توسد البرنس ونام وليس في المسجد غيره ، والدرة معلقة في يده . فقال الهرمزان : أين عمر ؟ فقالوا : هو ذا . وجعل الناس يخفضون أصواتهم لئلا ينبهوه ، وجعل الهرمزان يقول : وأين حجابه ؟ أين حرسه ؟ فقالوا : ليس له حجاب ولا حرس ، ولا كاتب ولا ديوان . فقال : ينبغي أن يكون نبيا . فقالوا : بل يعمل عمل الأنبياء . وكثر الناس فاستيقظ عمر بالجلبة فاستوى جالسا ، ثم نظر إلى الهرمزان ، فقال : الهرمزان ؟ قالوا : نعم . فتأمله وتأمل ما عليه ثم قال : أعوذ بالله من النار وأستعين بالله . ثم قال : الحمد لله الذي أذل بالاسلام هذا وأشياعه ، يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين ، واهتدوا بهدي نبيكم ، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غدارة ( 2 ) . فقال له الوفد : هذا ملك الأهواز فكلمه . فقال : لا حتى لا يبقى عليه من حليته شئ . ففعلوا ذلك وألبسوه ثوبا صفيقا ، فقال عمر : يا هرمزان كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله ؟ فقال : يا عمر : إنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم ، إذ لم يكن معنا ولا معكم ، فلما كان معكم غلبتمونا . فقال عمر : إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا . ثم قال : ما عذرك وما حجتك في انقاضك مرة بعد مرة ؟ فقال : أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك . قال : لا تخف ذلك . فاستسقى الهرمزان ماء فأتي به في قدح غليظ ( 3 ) ، فقال : لو
--> ( 1 ) في الطبري والكامل : الفقيمي . وفي فتوح البلدان أن أبا موسى سار إلى جنديسابور فطلبوا الأمان وصالحهم 2 / 470 . ( 2 ) في الطبري : غرارة . ( 3 ) في ابن الأعثم : من خشب .